السيد كمال الحيدري
29
فلسفة الدين (مدخل لدراسة منشأ الحاجة إلى الدين وتكامل الشرائع)
الطيّب هو التوحيد . فالكلم الطيّب وهو الاعتقاد المفسَّر بالتوحيد هو الصاعد إلى الله تعالى ، أمّا دور العمل فيقتصر على رفع ذلك الاعتقاد أو الكلم الطيّب . وقبال ما استدلّ به على كون الاعتقاد والكلم الطيّب هو الصاعد دون العمل قد يطرح تساؤل يقول : لعلّ الصاعد إلى الله تعالى هو العمل لا الاعتقاد ، ومن ثمّ يكون تفسير الكلم الطيّب بالعمل لا الاعتقاد . والجواب : إنّنا لو افترضنا أنّ الصاعد إلى الله تعالى هو العمل ، لحصل التنافي في نفس مفاد الآية ؛ وذلك لأنّ الآية قالت : إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ فإذا فسّرنا الكلم الطيّب بالعمل الصالح يكون معنى الآية : إليه يصعد العمل الصالح والعمل الصالح يرفعه . وهو واضح الفساد ؛ ضرورة بطلان كون المرفوع هو العمل الصالح ، والرافع هو العمل الصالح أيضاً لأنّه يلزم أن يكون الرافع والمرفوع شيئاً واحداً . إذاً بقرينة المقابلة يقتضى أن يكون المرفوع شيئاً والرافع شيئاً آخر . وعلى هذا لابدّ أن يكون المراد من الكلم الطيّب هو الاعتقاد الصحيح وهو الذي يصعد إلى الله تعالى ، أمّا دور العمل الصالح فينحصر في رفع ذلك الاعتقاد الصحيح . ومما ينبغي الالتفات إليه ، أنّ المراد من الاعتقاد هو الإذعان والتصديق ، لا الألفاظ المجرّدة . وممّا يشهد على ذلك هو أنّ نفس الآية قالت : ( أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِى السَّمَاءِ ) « 1 » فقد أضاءت الآية معنى الكلم الطيّب وأنّه كلمة التوحيد ، ومن الواضح أنّ المراد من التوحيد هو الإذعان القلبي ، والنيّة الصادقة التي
--> ( 1 ) إبراهيم : 24 .